تأملات سنودسية - التأمل السادس
التأمل السادس: من كنيسة "مستلقية" لكنيسة "منطلقة" ومرسلة
(يع 2 : 14-26، مر 1 : 35-41)
مقدمة:
في المسيرة السنودسية نترك أمكنة طمأنينتنا لننطلق في مسيرة تفتيش مُثيرة عن ما يُعيق تقدمنا في حياتنا الروحية وفي شهادتنا للمسيح المتخفي في الأفقر والأضعف. السينودس أيضًا يدفعُنا لأن نخرج من رهبنة " مستلقية" و "مرتاحة لوضعها" لنكون رهبنة "قلقة" روحيًا ورسوليًا، رهبنة منطلقة تحمل رحمة الآب وحنانه إلى عالمٍ حزين.
تأويل وتأوين:
1. فإني لهذا خرجتُ "(مر 1 :38) : لماذا خرج يسوع؟ خرج لأمرين:
أ. ليٌعلن ويعلّم الكلمة، فهو كالزارع الذي يخرج ليزرع الكلمة ( مر4 : 14)
ب. ولأنه رحوم، يتحنن علينا نحن المتألمين (مر 1 : 41)
يمثل الأبرص كل البشر، هو كل واحد منا دون استثناء. لم يُصدر يسوع إدانهً للأبرص كون هذا المرض ناتج عن خطيئة بحسب منطق اليهود، إنما أظهر له حنانًا لا يوصف. لأنه رحوم خرج إلينا. هل نأتي إلى الأخرين مدفوعين من رحمةٍ تختلج صدورنا؟ أم نأتي إليهم من أجل أمرٍ آخر؟
2. على مثال فاديها، الكنيسة مدعوة لأن تخرج إلى العالم لأنها في الأساس هي قائمة على معادلة حب أرساها يسوع لتلاميذه وهي "أحبوا بعضكم بعضًا كما أنا أحببتكم" ( يو 13 :34) وقد أفاض هذا الحبّ في قلوبهم يوم القيامة. لا يمكننا أن نحب ونبقى في مطارحنا. أن نخرج من رهبنة "مستلقية" يعني أن نكون رهبنة محبةً وحاملة الرحمة، رحمة الآب. ممهما كانت مسؤوليتنا وخدمتنا في قلب عالمنا ورهبنيتنا بنوع خاص، يجب أن تصدح دومًا في داخلنا دعوة يسوع بأن نحب أكثر وأعمق وأن نكون رحومين حقيقيين.
3. هذه الرحمة الكنسية وهذا الحبُ الرسوليّ يُترجمان بالأعمال( يع 2 : 14). والمسيرة السينودسية تدعونا كي نستنبط طُرقًا لعيش هذا الحبّ الذي يُطلقنا إلى الخارج. نقترح مسارات أربعة للتفكير والتأمل:
أ. نجرؤ على أخذ مبادارات عملية تقلّص المسافات بيننا وبين البعيدين والمهمّشين.
ب. نشارك فعليًا في العمل الرسولي بمعنى " نغطس" على مثال يسوع الذي غسّل أرجل تلاميذه. نميز مسارات حياة رهبانية جديدة وجريئة من أجل خير الإنسان الذي هو قضيتنا الأولى. أن نُشارك فعليًا يعني أن نُعطي ذواتنا للآخرين("أحبهم إلى الغاية") دون مقابل لأن المحبة "لا تطلب ما لنفسها" ( 1قور 13 : 5) بل تطلب خير الآخرين.
ج. لا نتوقف عند الصعوبات وعند ضُعُفات الأشخاص بل نعتبرها فُرصًا وتحديات لمزيد من الرسالة والشهادة وننظر بنوع خاص إلى مواهب الله المغروسة في داخل كل إنسان والتي بحاجة لمن ينميها. نتبين الخطوات الصغيرة التي يُمكن للآخرين أن يقوموا بها ونرافقهم بصبرٍ لأن "المحبة تتأنى".
د. نميز الثمار التي أينعت في حقول أديارنا وحياة أخواتنا الراهبات رغم العثرات والتجارب التي نقع فيها أو حتى عندما تظهر نقاط الضعف المخيبة للآمال. مسيرة السينودس تعلّمنا أن نكون تلاميذ ومبشرين، لا نشتكي ولاننزعج بل نترجي ونثابر في العمل. لانيأس!
كما إننا نعلم مُسبقًا أنه ليس هناك من حياة رهبانية مثاليّة وكاملة. نحن نسير متكلين على محبة الله وحضوره وعلى إلهامات الروح القدّس التي تسكب فينا أفكارًا وإستراتيجياتٍ ملائمة لزمننا الحاضر كما نتكل على طيبة ومحّبة الناس العطشى إلى المسيح. لا نبشر لوحدنا فالحب يُعاش في البنوة للآب وفي الأخوة لبعضنا البعض.
ختام:
نتأمل بكلام البابا فرنسيس في "فرح الإنجيل، 49": أفضّل كنيسة مُصابة ومجرّحة ومُلوثة لأنها سلكت الطرقات، على كنيسة مريضةٍ بسبب الإنغلاق ورفاهة التمسك بأمانها الخاص. لا أريد كنيسةً منشغلة بأن تكون المحور فيؤول بها الأمر إلى الإنغلاق في تشابك تحديداتٍ وإجراءات. إذا كان هناك شيء مُقدس يجب أن يٌشغلنا ويُقلق ضميرنا هو أن العديد من أخواتنا يعيشون محرومين من قوة صداقة يسوع المسيح ونوره وتعزيته، محرومين من جماعة مؤمنة تتقبلهم. من أفق معنى وحياة. أرجو أن يستحثنا، أكثر من الخوف أن نخطأ، الخوف أن ننغلق على ذواتنا في هيكليات حمايةٍ وهمية خاطئة، في أنظمة تحولنا إلى قضاة عديمي الرحمة في عوائد نشعر من خلالها بالطمأنينة، بينما يعجُ الخارج بجموع جائعة، ويسوع يُردد لنا بدون إنقطاع: "أعطوهم أنتم ليأكلوا" ( مر 6 :37)

