thumbthumb
دخـول

عظة المطران جورج شيحان في قدّاس عيد مار مارون

 حبّة الحنطة إن ماتت تأتي بثمر كثير

 

أصحاب السيادة السامي احترامهم

سعادة السفير اللبنانيّ الدكتور خالد زيادة

أصحاب السيادة والسعادة

الآباء الأفاضل والأخوات الراهبات الفاضلات .

أيها الأبناء الاحباء

نحتفل معًا اليوم بعيد القدّيس مارون شفيع وأب لكنيستنا المارونيّة، في هذه الكنيسة المباركة التي لبست حلّتها الجديدة، وذلك بجهد الآباء الأفاضل لا سيّما الأبوين جوزف الحاج ونبيل رفول ، وبمعاونة الأبوين يوحنّا موراني وكمال سمعان، الذين نثمّن لهم جميعًا التضحيات التي بذلوها ويبذلونها بكلّ أمانة، مع كلّ الخيّرين من أبناء الرعيّة وقاصديها، عاملين على بناء الحجر وبناء النفوس لمجد الله وتكريم القدّيس مارون شفيع هذه الكنيسة وهذه الرعيّة وحاميها.

عيدنا هذا العام يحمل في طيّاته فرحًا مميّزًا لأنّنا أنجزنا للربّ هيكلًا لتمجيد اسمه، والكنيسة التي هي جماعة المؤمنين بالمسيح وجدت لها مكانًا تجتمع فيه لترفع لله أجمل الصلوات والتهليل. إنّنا نفتخر بما أنجزت ايديكم وهذا بفضل الصلوات التي رفعتموها يا أبناء هذه الرعية المباركة , والتي ترفعونها كلّ يوم على مثال حبّة الحنطة التي زرعت وماتت فأعطت ثمارًا ترضي الله. وأيضًا بفضل سخاء أيديكم وتضحياتكم التي هي مباركة عند الله وسيعوّض عليكم الرب أضعافًا وأضعافًا.

نحن في كنيسة جديدة وبيت لله جديد! إنّه زمن التجدّد وكم نحن بحاجة في هذا الوقت وهذا الزمن إلى تجدّد حقيقيّ في حياتنا، إلى ولادة جديدة حيث يعمل فينا الروح القدس وينعش حياتنا ويجدّد آمالنا وسط الأزمات التي نعيشها في شرقنا والتي لا نعرف لها نهاية. وفي خضمّ هذه الأزمات علينا أن نعمل جاهدين لأنّها قد تكون لنا مرحلة صعبة نمرّ بها وقد تساعدنا كي نصقّل نفوسنا مدركين أنّنا مدعوّون كي نموت عن ذواتنا واضعين جانبًا كلّ ضعف يتملّك نفوسنا. هذه الأزمات هي امتحان لنا لندرك جيّدًا أنّنا أصحاب رسالة لهذا الشرق وأبناء شهادة من خلال سلوكيّاتنا التي عليها أن تزهر فضيلة وقداسة. من هنا يقول لنا القديس بولس في الرسالة التي سمعناها، حيث يذكّر تلميذه تيموتاوس قائلًا له: "لقد تبعت تعليمي وسيرتي وإيماني ومحبّتي، واضطهادي وآلامي ..." . ويضيف: "فجميع الذين يريدون أن يحيوا بالتقوى في المسيح يسوع يُضطَهَدون". وكأنّه يقول لنا إنّه لا بدّ من العذاب، والاضطهاد لنستطيع أن نطهّر ذواتنا وندرك القداسة.

وهذا ما يقوله لنا الإنجيل المقدّس أيضًا: "إنّ حبّة الحنطة إن لم تقع في الأرض وتمت تبقى واحدة. وإن ماتت تاتي بثمر كثير".

وأيضًا ما أردت أن أقوله لكم في رسالتي الرعويّة الأولى والتي عنوانها: "الكنيسة حياتنا , حقيقة وشهادة" . التي تتضمّن مسيرة حياة الكنيسة منذ ان اسسها الرب يسوع على الرسل الذين هم الاساقفة وقد اختاروا الكهنة معاونيهم . ايضا دور العلمانيين المؤمنيين في مشروع الله الخلاصي . كذلك اهمية ان نعمل معا ككنيسة وجماعة مؤمنة بشركة مع سائر الكنائس . كما تكلمت عن دورنا ككنيسة مارونية ونحن نحمل على اكتافنا تاريخا من الرسالة الروحية والثقافية والاجتماعية وكيف علينا ان نكمل المسيرة متضامنين مع مسيرة وطننا مصر.

القدّيس مارون الناسك الذي عرف أن يبتعد عن مغريات العالم مع كثيرين من امثاله، اعتصم في جبال أنطاكية عائشًا في الصلاة والصوم والتقشّف. وبذلك أصبح صورة عن السيّد المسيح الذي مات عن العالم ليدلّنا على طريق الملكوت.

ماتت حبّة الحنطة في أنطاكية فأعطت ثلاثين وستّين ومئة... وهكذا نحن إن تخلّينا وتجلّينا أصبحنا مع الناس إخوتنا ثلاثين وستّين ومئة.

عاش القدّيس مارون منزويًا ينشد الجوهر، فتجمّع حوله كثر وأصبحوا تلاميذً له وأعلنه الشعب قدّيسًا للجميع. لقد تخلّى فتحلّى وارتقى. وكلّ من تحلّى فتخلّى يرتقِ. وكلّ من يرتقِ يلتقِ.

هكذا نكون واحدًا في الكثرة، ونكون علامة لتحقيق نداء الربّ: " إجعلهم كلّهم واحدًا". ومع مارون نحقّق رغبة الربّ، في تضييق المختلف وتوسيع المشترك مشاركين في مواجهة محن الحياة يدًا واحدة وقلبًا واحدًا. سنشارك معًا ابتداءً من الغد ولمدّة أسبوع الكنائس المسيحيّة في مصر في إحياء أسبوع الصلاة من أجل وحدة المسيحيّين. لأنّ يسوع صلّى من أجل تلاميذه، كما من أجل جميع الذين يأتون إليه بالإيمان، وقد طلب من الآب أن يمنحهم الوحدة والمحبّة والقداسة، حيث قال: "أريدهم أن يكونوا واحدًا معي". هكذا نفهم أنّ الذين يتّحدون به مع الآب يستطيعون وحدهم أن يحيوا معه وينالون أن يروا مجده". هذا ما علّمه القدّيس كيرلّس الإسكندريّ.

أيّها الأبناء الأحبّاء،

نحن في سنة أرادتها الكنيسة "سنة الحياة المكرّسة" للصلاة من أجل جميع المكرّسين العاملين في كرم الربّ والمجتهدين في سبيل قداسة نفوسهم وعيش الشهادة الإنجيليّة الحقّة. لهذه المناسبة سنلتقي مع أخوتنا المكرسين وأخواتنا المكرّسات من أبناء كنيستنا، مكرِّسين يومًا في القاهرة وآخر في الإسكندريّة للتأمّل والصلاة حول مفهوم دعوتنا وتكرُّسنا في خدمة الله والقريب.

كما تضع الكنيسة بين أيدينا مجموعة من الأسئلة للتفكير والتأمّل في مسيرة العائلة المسيحيّة لا سيّما أمام التحدّيات التي تعترضها وكيفيّة إيجاد الحلول المناسبة لها على ضوء كلمة الكتاب المقدّس. سنعمل مع العائلات للإجابة على هذه الأسئلة في لقاءات يعلن عنها في كلّ رعيّة من رعايا الأبرشيّة لكي نواكب عمل الكنيسة حول هذا الموضوع.

نريد أيضًا أن نعلمَكم بأنّنا سنستقبل ذخائر القدّيس شربل والقديسة رفقا خلال شهر مايو 2015 وذلك للتبرّك والتأمّل في حياة هذَين المكرَّسَين القدّيسَين العظيمَين.

هي مناسبة لنا لكي نتعلّم مِن مَن سبقونا وساروا أمامنا دروب هذه الحياة بأنّه علينا أن نكون فيما هو للآب، مجتهدين من أجل خير نفوسنا وقداستنا. هي دعوتنا في هذه الحياة ولهذا وُجِدنا، فلنعمل معًا وفق رغبة قلب الآب على مثال مارون وكلّ القدّيسين الذين عبروا وسجّلوا تاريخًا مجيدًا من القداسة والعظمة.

ألا بارككم الله جميعًا وبارك حياتكم وجهدكم لمجده تعالى.

وفي الختام أودّ أن أشكر حضوركم ومشاركتكم معنا هذه المناسبة المباركة لا سيّما كلّ المراتب والمقامات الروحيّة والزمنيّة. كما أودّ أن أشكر هيئة المساعي الخيريّة المارونيّة وكلّ القيّمين عليها، هي التي تهتمّ كلّ عام في إحياء هذا العيد. كما أشكر الجوقة على تراتيلها وجهدها لإضفاء جوًّ من الفرح الليتورجيّ لهذا الاحتفال. واسأل الله بشفاعة أبينا القدّيس مارون أن يفيض عليكم بخيراته ونعمه، وكلّ عام وأنتم بخير.

 

 

إذاعة صوت الانجيل