thumbthumb
دخـول

عظة البطريرك الكردينال مار بشاره بطرس الراعي - بكركي، الأحد 27 تشرين الاول 2013

عظة البطريرك الكردينال مار بشاره بطرس الراعي - بكركي، الأحد 27 تشرين الاول 2013

1. تختتم الكنيسةُ اليوم السنةَ الطقسية بعيد المسيح الملك، الذي سيأتي بالمجد ليدين الأحياء والأموات على المحبة الإجتماعية تجاه كلِّ إنسانٍ يقع في حاجةٍ مادّية أو روحيّة أو معنويّة أو ثقافيّة. وقد حدّد هذه الحاجات بستٍّ أساسيّة هي: الجوع والعطش والغربة والعري والمرض والأسر. وبما أنّ الربَّ يسوع اتّحد نوعاً ما بكلّ إنسان بتجسّده وفدائه وقيامته، يقول للذين يمارسون المحبة الإجتماعيّة: "ألحقّ أقول لكم: "كلّ ما عملتموه لأحد أخوتي هؤلاء الصغار، فلي قد عملتموه" (متى 25: 40). وعلى هذا الأساس ينال ثوابَ الخلاص الأبدي كلُّ من مارس هذه المحبة، والهلاكَ الأبدي مَن يهملها أو يُحجم عنها (راجع متى 25: 46).

2. يسعدني أن أرحّب بكم جميعاً، وأن نحتفل معاً بهذه اللّيتورجيا الإلهية، في مناسبة عيد المسيح الملك وختامِ السنة الطقسيّة. فنشكر الله على ما أفاض علينا من خير ونعم، ونلتمس غفرانه عن كلّ ما صدر عنّا من أخطاء وخطايا وإساءات تجاهه أو تجاه أي إنسان، وعن التقصير في أعمال المحبّة الإجتماعيّة تجاه مَن كانوا بحاجة إليها.

3. تشارك معنا في هذه الذبيحة المقدّسة عائلاتُ أشخاصٍ أعزّاء ودّعناهم في هذه الأيام الأخيرة وهم: فقيد لبنان المرحوم وديع الصافي، الدكتور في الغناء والفنّ والموسيقى والتّلحين، وفي الإيمان والصلاة، وفي محبة الله وجميع الناس. وما يعزّينا عن فقده بقاؤه معنا بصوته المغنّي والمصلّي، تنقله إلينا وسائلُ الإعلام يوميًّا، ولاسيما شاشةُ تلي لوميار وفضائيّتُها نور سات، مشكورة؛ والمرحوم المقدّم المتقاعد رامز سليمان اسكندر الذي تفانى في سبيل لبنان عبر مؤسسة الجيش، وفي سبيل عائلته، زوجته وبناته الثلاث؛ والمرحوم جورج يوسف صفير الذي خدم المجتمع على المستوى السياحي في إدارة شركة التلفريك - حريصا؛ والمرحوم راغب بطرس أبي عقل، الماهر في مهنة البناء، والناشط الشجاع في الدفاع عن لبنان، والمناضل من أجل تحريره من الجيوش الغريبة، متحمّلاً الضرب والإهانة والسَّجنَ والتعذيب. إنّنا نجدّد تعازينا لكم، والصلاة لراحة نفوسهم في سعادة مجد السماء.

4. وإنّنا نشكر الله على نجاح زيارتنا إلى دولة قطر، وقد لبّينا دعوةَ سموّ الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني. فنشكره على الدعوة وحفاوةِ الاستقبال، وعلى اللّقاء معه وما دار بيننا من أحاديث تختصّ بتوطيد الصداقة اللّبنانية - القطريّة، وبشؤونِ اللّبنانيين الخمسةَ والعشرين ألفاً العاملين في البلاد، ودعمِ لبنان للخروج من أزماته، ومساهمةِ قطر في معرفة مصير المطرانَين المخطوفَين بولس يازجي ويوحنا ابراهيم والكهنة الثلاثة، وبذل الجهود للإفراج عنهم. وإنّا لنواصل صلاتنا على هذه النيّة.

5. ولكن كم آلمتنا مشاهد الأحداث المؤسفة والمؤلمة في مدينة طرابلس العزيزة. وهي أحداث تجرحها في الصميم، إذ توقعها وشعبَها البريء ضحيّةً - رهينة للمتقاتلين في سوريا، وأولئك المراهنين على نتائجها بالنسبة للفريقَين المتنازعَين. فلحاملي السلاح، الذين يبذّرون الملايين من الدولارات يوميًّا على هدم البيوت والقتل والتنكيل بالسكان الآمنين وجعلهم أهدافًا لقنّاصٍ أعمى لا يخلّف وراء فعله سوى المآسي واليتم والترمّل، وحرمان الناس، وبخاصّة الفقراء، لقمة العيش وهناء السكينة في الليل والنهار، وإهمال الأطفال والمرضى والمسنين، وتشويه صورة طرابلس العيش المشترك وأمّ الفقير، لهم نقول: إتّقوا الله وخافوه في عباده. المال البخس الخائن الذي يُدفع لكم من أمراء الحرب هو أيّاه يدينكم، ويجعل منكم سُلعًا مُجرّدة من كرامة قضيّتها.

يا رب ساعد الجيش اللبناني والقوى الأمنية على إحكام سيطرتها على مواقع الأحداث، وتجريد المتقاتلين من سلاحهم، وسَوقهم إلى العدالة، وتمكين السكان الأبرياء من العيش بأمانٍ وهدوء.

6. بالمعمودية والميرون أشركنا الربّ يسوع المسيح بملوكيّته، ملوكيّة خدمة المحبّة للجائع والعطشان والغريب والعريان والمريض والسجين. وهي حاجاتٌ لا تقتصر على مفهومها المادي والجسدي، بل تشمل الحاجات الروحيّة والمعنويّة، الاجتماعيّة والإنمائيّة، الأخلاقيّة والثقافيّة، وتشمل وسائلَ تأمينها بالشكل الوافر والكافي.

7. الكنيسة، من جهتها، تواصل خدمةَ المحبة الاجتماعية أكانت نابعة من محبّتها للمسيح، أم مفروضة عليها من العدالة الاجتماعية، وتمارسها بواسطة مدارسها العادية والمجانية والمهنيّة وجامعاتها؛ وبواسطة مؤسّساتها الاستشفائيّة والعلاجيّة ومستوصفاتها، ومياتمِها ودُور الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصّة، والمسنِّين والمعوَّقين؛ وبواسطة منظّماتها الخيريّة مثل رابطة كاريتاس لبنان، جهازِ الكنيسة الاجتماعي، وجمعيّة مار منصور دي بول، والبعثة البابويّة، والمؤسّسةِ المارونيّة الاجتماعيّة التي تعنى بالمشاريع السكنيّة، وأنشأت الصندوقَ التعاضدي الاجتماعي الصحي، واليوم تبدأ العملَ في قطاع المشاريع الإنمائيّة وتوفير فرص عمل، فضلاً عن مبادرات خاصّة من أبناء الكنيسة وبناتها في إطار خدمة المحبة الاجتماعيّة والثقافيّة والإنمائيّة.

8. تدعونا الكنيسة للاقتداء بقديسين خدموا المحبة الاجتماعية بقوّة إيمانهم ومحبّتهم للمسيح من دون أيّ واجب تفرضه العدالة وهم:الطوباوي أبونا يعقوب حداد الكبوشي مؤسّس مستشفى دير الصليب في جلّ الديب، وراهباتُ الصليب، ومؤسّساتُهنّ الاستشفائيّة والتربويّة والاجتماعيّة، التي تُعنى بخدمة المحبة على كلّ أنواعها. والقدّيسة الأم تريزا دي كالكوتا، وراهباتُها اللّواتي يعتنين بالمُشّردين والمُهمَلين وذوي الحاجات. والقدّيس منصور دي بول مؤسّسُ راهبات المحبة اللواتي يعتنين باليتامى والفقراء وضحايا الخلافات الزوجيّة والعائليّة وسواها. والطوباوي فريديريك أوزانام، الذي، وهو في العالم، كرّس نفسه لخدمة المحبة وأسّس جمعيّة مار منصور دي بول للعلمانيّين. والقديس يوحنا بوسكو، أبو الشبيبة ومؤسسُ جمعيّة الآباء السالزيان، وجمعية راهبات أمّ المعونة الدائمة مع القديسة Mazzarello، اللواتي يعتنين بالأطفال والشبيبة؛ وغيرهم العديدون تلألؤوا في سماء الكنيسة.

9. أما السلطة السياسيّة المؤتمنة على المال العام ومقدّرات الدولة، فمن واجب الضمير والقانون والحالةِ الوظيفية والعدالة الاجتماعية، أن توفّر للمواطنين حاجاتهم، دونما تمييز ديني أو سياسي أو مذهبي أو مناطقي. والربّ سيدينُهم على كيفية أداء هذا الواجب. من واجب أصحاب السلطة والعاملين في الحياة العامة والشأن السياسي أن يُفعّلوا قدراتِ البلاد والمؤسسات الدستورية من أجل التقدّم والازدهار والنمو، وإغناءِ الخزينة الوطنية بالمال العام، فتتمكّن الدولة من القيام بواجباتها تجاه المستحقّات للمستشفيات ودُور العناية الاجتماعية والمدارس المجّانية، ومن تحسين البنى التحتيّة كافة، وإنشاءِ مشاريع عمرانية انتاجية تؤمّن المزيد من فرص العمل، وتَحُدُّ من البطالة والهجرة. وهكذا تتوفّر للمواطنين حياةً كريمة وسعيدة في وطنهم؛ وللشباب الطالع إمكانيّات تحفيز قدراتهم ومواهبهم على أرضهم وفي قطاعات دولتهم؛ وتتوفّرُ للعاملين في حقول الصناعة والزراعة والسياحة والمؤسسات الإنتاجية إمكانيةُ استثمارِها، وتحسينِ مستوى العمال فيها، وتحريكِ الحياة الاقتصادية.

10. لكي يتمكّن المسؤولون السياسيّون من القيام بهذا الواجب الوطني الخطير، ندعوهم إنطلاقًا من كلام الله في إنجيل اليوم، إلى الكفّ عن انتهاك هذا الواجب وإهمال وسائله: فليبادروا إلى تأليف حكومة جديدة، ووضعِ قانونٍ جديدٍ عادل ولائق للانتخابات، وإجرائها في أسرع ما يمكن. وليهيّئوا استحقاقَ انتخاب رئيسٍ جديد للجمهورية في موعده الدستوري. ولينتزِعوا من نفوسهم أيَّ تفكير أو مشروع سياسي أو مذهبي، من الداخل أو من الخارج، يرمي البلاد في الفراغ. وليكفّوا عن إشعال نارِ الخلافات، وعن حماية السّلاح غير الشرعي، والتجاوزات للأمن وللقانون، وعن تشويه العيش معًا الذي نريده في المساواة والاحترام والتضامن. وليضعوا حدًّا للفساد والرشوة وسرقة المال العام.

11. "كل ما عملتموه لأحد أخوتي هؤلاء الصغار، فلي قد عملتموه"(متى25: 40).

يا رب، أعطنا نعمة الثبات في ثقافة المحبة والعدالة. فإنّ منهما يولد السلامُ والسعادةُ لكلّ إنسان في عائلته، ولكلِّ شعب في وطنه. المحبة والعدالة هما الطريق إليك وإلى خلاصنا الأبدي، وتؤهلاننا لنرفع من كل القلب نشيد المجد والتسبيح للآب والابن والروح القدس، الآن وإلى الأبد، آمين.

إذاعة صوت الانجيل