thumbthumb
دخـول

عظة الكردينال البطريرك مار بشاره بطرس الراعي في عيد مار شربل، عنايا - الأحد 21 تموز 2013

عظة الكردينال البطريرك مار بشاره بطرس الراعي في عيد مار شربل، عنايا - الأحد 21 تموز 2013

فخامة الرئيس

   1. تحجّون مع السيّدة عقيلتكم اللّبنانية الأولى، على رأس هذا الجمهور من المسؤولين معاونيكم في الحكم والإدارة ومن المؤمنين والمؤمنات، إلى ضريح القدِّيس شربل في هذا الدّير المبارك في يوم عيده. وتشاركون في هذه الليتورجيا الإلهيّة التي نحتفل بها مع قُدس الأباتي طنّوس نعمه الرئيس العام للرهبانية اللبنانية المارونية ومجلس المدبِّرين، ورئيس الدير وسائر الآباء. إنّنا نلتمس لكم، فخامة الرئيس، من الله بشفاعة القدِّيس شربل، وهو شفيعكم في بيتكم وقد دعوتم باسمه نجلكم العزيز، نلتمس لكم التأييدَ الإلهي لخدمتكم الرفيعة على رأس البلاد، وأنوارَ الروح القدس الهادية لكم في قيادة سفينة الوطن المفدّى لبنان، في عرض هذا البحر الهائج بالرياح والعواصف. ونأمل أن تتمكّنوا من ذلك بمؤازرة كلّ ذوي الإرادة الحسنة المُخلصين للبنان وشعبه ورسالته. ومن هذا الدير المملوء سلامًا وأريجًا سماويًّا، نُصلّي من أجل السلام في لبنان وبلدان الشرق الأوسط، ولا سيما في العراق وسوريا ومصر، ولكي نكون نحن بناة سلامٍ عادلٍ وشاملٍ ودائم.

   2. يسعدنا أن نحتفل معاً بعيد القدِّيس شربل الذي زرعه المسيح الربّ زرعاً جيّداً في أرض بقاعكفرا يوم اعتمد ومُسح بالميرون في السادس عشر شهر من أيار 1828؛ وفي حقل الرهبانية اللبنانية المارونية عندما أبرز نذوره الثلاثة الطاعة والعفة والفقر، في دير مار مارون عنايا في أوّل تشرين الثاني 1853، عيد جميع القدِّيسين؛ وفي حقل الكنيسة المارونية وعبرها في الكنيسة الجامعة يوم رسامته الكهنوتية في الكرسي البطريركي بكركي في 23 تموز 1859؛ كما وفي تقليد النسك الرهباني الماروني مذ دخل حبيساً في صومعة القدِّيسَين الرسولَين بطرس وبولس على تلّة عنايا.

   كان بالحقيقة زرعاً جيّداً في كلّ حالة ومكان وعمر حتى وفاته ليلة عيد الميلاد في 24 كانون الأوّل 1898، وللتوّ راح "يتلألأ كالشمس في ملكوت الآب" (متى 13: 43)، ممجَّداً في السماء. وقد ظهرت علاماتُ دخوله المجد السماوي في إشعاعات النور التي ظلّت تسطع على قبره طيلة الأسبوع التالي لوفاته، على مرأى من أهل القرية والمارّة والجوار.

   3. في بقاعكفرا، حيث عاش حتى عمر 23 سنة، تميَّز بسيرة مسيحية بارّة ظهرت في أقواله وأفعاله وتصرُّفاته. وكان ذا ميلٍ بارز إلى حياة العزلة والدخول في حوار عميق مع الله بالتأمّل والصلاة، باحثاً عن مشروع حياته. وقد لقّبه أهل بلدته بالقدِّيس. وما زالت المغارة التي كان يلجأ إليها للصلاة تُدعى "مغارة القدّيس".

   4. بحياته الرهبانيّة، هنا في دير مار مارون عنايا حيث أبرز نذوره، وفي دير القدِّيسَين قبريانوس ويوستينا في كفيفان حيث تلقّى دروسه الفلسفية واللاهوتية على يد الأب نعمة الله كسّاب الحرديني الذي رُفع على المذابح طوباوياً من بعده، صار الأخ شربل مخلوف إنساناً جديداً، وراهباً مثاليّاً.

   الثوب الخارجي بدّل كيانه الداخلي، خلافاً للقول الفرنسي المأثور: "الثوب لا يصنع الراهب". صار إسكيمُه وسيلةَ خلاصه وإكليلَ المجد الآتي، وعباءتُه السوداء توبةً دائمة إلى الله بقلب ناصع البياض، وزنارُه المشدود جهوزيّةً دائمة للخدمة ولمحاربة الأميال المنحرفة، ومشلحُه أو جبّتُه وَضْعَ الذات الدائم تحت حماية الله المُطَمْئنة التي تغني عن كلّ حطام الدنيا، وحذاؤه سيراً في طريق الخدمة المتفانية وجدّة الحياة الملأى بالسلام.

   الفضائل الإنجيليّة، التي اعتنقها بنذورٍ قانونية، جعلت منه عطيّةَ ذاتٍ كاملة لله. فعنده، الطاعة لله وللرؤساء مقدّسة، وفعلُ عبادةٍ قائمةٍ على التخلّي بفرح عن إرادته ورغبته الشخصية. طهارته ملائكية ومحرقة حبّ للنظر والحواس والأفكار. فقره تجرّدٌ كامل من كلّ شيء وتحرّرٌ من امتلاك أي شيء، واغتناء دائم بالله.

   5. واكتمل الأب شربل، كزرع جيّد، عندما ارتسم كاهناً، إذ أصبح مثل المسيح، كاهناً وذبيحة. قدّاسه ذبيحة ذات مع المسيح، مناولته لجسد الربّ ودمِه تفانٍ في البذل والخدمة والعطاء من دون حساب. الاحتفال بالقداس اليومي وعيشُه له أضحى هدف حياته الرهبانية. ستّ عشرة سنة كهنوتيّة عاشها على هذا المنوال هنا في دير مار مارون عنايا، قبل أن ينتقل إلى المحبسة حيث قضى ثلاثاً وعشرين سنة كمّل خلالها ذبيحته، وصار متماهياً بالكلية مع المسيح الكاهن والذبيحة. ففيما كان يحتفل بآخر قدَّاس له، ورفع بيدَيه كأس الدّم الإلهي وجسدَ الرب، مصلّياً حسب اللّيتورجيا المارونية: "يا أبا الحق، هوذا ابنك ذبيحة ترضيك"، أصابه فالج أدخله في غيبوبة الموت. وهكذا تمّت فيه كلمة بولس الرسول: "أنا أحيا، لا أنا، بل المسيح يحيا فيّ" (غلاطية 2: 20).

    فخامة الرئيس، أيُّها الأحبّاء،

   6. القدّيس شربل رجل القرار، وقد أخذ بنصيحة معلّمه القديس نعمة الله الذي كان يردّد على مسمعه: "الشاطر بخلّص نفسه". ذلك أنّه عندما يخلّص الإنسان نفسه، يستطيع أن يخلّص آخرين. هذا شأننا في لبنان، فيما منطقة الشَّرق الأوسط تطغى عليها حالةٌ شديدة من الخلافات والعنف والحرب والإرهاب، تهدّد بخراب شامل، إذا لم تعرف أن تحوّل كلّ هذه الأحداث المؤلمة إلى آلام مخاض تخلّصها. ويُنتظر من لبنان دورٌ في خلاصها، إذا خلّص نفسه واستعاد دوره كعنصر سلام واستقرار ونهضة في المنطقة.

   7. أَعيُنُ اللبنانيين تنظر إليكم، فخامة الرئيس، وبأملٍ كبير، لأنّكم أنتم رأسُ البلاد، وأنتم وحدكم حلفتم أمام البرلمان يمين الإخلاص للأمّة والدستور بموجب المادة 50 منه، وأقسمتُم: "أَحلِفُ بالله العظيم أنّي أحترم دستورَ الأمّة اللبنانية، وقوانينَها، وأَحفظُ استقلال الوطن اللبناني وسلامةَ أراضيه". هذا القسم يُعزّز ويشدّد مسؤوليتكم كرئيسٍ للدولة، ورمزٍ لوحدة الوطن، وساهرٍ على احترام الدستور، ومُحافظٍ على استقلال لبنان ووحدته وسيادته"(راجع المادة 49 من الدستور اللبناني).

   لا يمكن بعد الآن أن تُطاق الحالة التي وصلنا إليها في لبنان، فلا الدستورُ والقوانين محترمة، ولا الاستقلالُ محفوظ ومصان من التدخلات الخارجية، ولا سلامةُ الأرض محفوظة، فجزءٌ منها ما زال مُحتلّاً من إسرائيل، والحدودُ مُستباحة لتمرير السلاح غير الشرعي دخولاً وخروجاً. الطوائف والمذاهب والأحزاب تتسلّح وتتصارع لمصالحها، على حساب الدولة والشعب والمؤسسات. والسياسيّون يتدخّلون بشكلٍ سافر في الإدارة العامّة والقضاء والتعيينات الإدارية، وهذا، بحدّ ذاته، مُخالفةٌ جسيمة بحقّ الدستور وفصلِ السلطات؛ فينبغي وضعُ تشريعات تحرّمه، وتفصلُ بالتالي بين الوزارة والنيابة. والفريقان السياسيّان الكبيران يُمعنان في الانقسام ويعطِّلان قيام المؤسَّسات الدستورية ويشلّان عملها، والشعب يفتقر ويعاني ويجوع ويُقهر ويهاجر الوطن حسّياً ومعنويّاً.

   8. أعينُ اللبنانيين تنظر إليكم، فخامة الرئيس، لأنّكم تمثّلون كلّ الشعب اللبناني، لا المسيحيين ولا الموارنة وحدهم، وهذا ما يجب أن ينطبق على رئيسَي مجلس النوّاب والحكومة. لكنّكم كرئيسٍ مسيحيٍّ ماروني للجمهورية، أنتم ضمانةٌ لمعنى لبنان وخصائصِه ومميّزاتِه، نظرًا للدور التاريخي الذي اضطلع به الموارنة في تأسيس الجمهوريّة اللبنانية، ولأهميّتهم الرمزية على الساحة العالميّة، كونهم يمثّلون الوجود المسيحي في العالم العربي، ونظرًا لدورهم الممكن والمرجو في تقريب وجهات النظر بين مختلف المحاور الداخلية والاقليمية (راجع روجيه ديب، لبنان المستقر، ص 116 و 118). فدوركم دور الجامع، بالحوار والمصارحة والمصالحة، ودور المرجع للجميع كملاذ لهم غير منحاز لأحد، والداعي إلى قيام الدولة المدنية ذات السلطة المركزية القادرة والفاعلة، المميّزة بإدارة متخصصة وعقلانية مستقلّة، وباللامركزية الإدارية الواسعة والإنمائية.

   ولقد رسمتم الخطوط العريضة لهذا الهدف، في خطابكم الأخير أثناء حفل الإفطار الذي دعوتم إليه في قصر رئاسة الجمهورية، مطلع الأسبوع المنصرم وخطابكم بالأمس. الجميع يؤيّدون كلّ ما طرحتم، وفي طليعتها، في الوقت الحاضر كما ذكرتم: تشكيل حكومة جديدة، غير مقيّدة بشروطٍ، فتعيد الحياة السياسية والاقتصادية والإداريّة والقضائيّة إلى مجراها الطبيعيّ البنّاء. ونرجو اذا تعثرت الامور أن تكون حكومة حياديّة مكوَّنة من شخصيّات معروفة بماضيها وحاضرها، غير مرتبطة بهذا أو ذاك من الأفرقاء المتنازعين والأحزاب، وملتزمة بالحياد الذي توافق عليه اللبنانيون في "إعلان بعبدا"، طالما أنه يوجد أفرقاء سياسيّون غير ملتزمين بهذا الحياد، وطالما أنّ الانقسام الذي يشطر البلاد إلى اثنَين ما زال مستفحلاً. ولعلّ التلبية لدعوتكم إلى استئناف هيئة الحوار الوطني حول النقاط التي طرحتموها، وحول تلك التي يُطالب بها الأفرقاء السياسيّون من أجل نجاح الحوار، تصل (هذه التلبية) إلى مصالحة وطنيّة تفسح في المجال عندها لقيام "حكومة الوحدة الوطنية" قولاً وفعلاً.

   ويتزامن مع تشكيل حكومة جديدة، كما ذكرتم، وضعُ قانون انتخابي دائم وحديث يمثِّل الشعب على أفضل وجه، ويمكّنه من مساءلة النواب ومحاسبتهم، ويكون إشارة عن صدق النيّات في إرادة الإصلاح، وتالياً الدعوة إلى إجراء الانتخابات النيابية بأسرع وقت ممكن".

   9. "الشاطر بخلّص نفسه"، فيخلّص آخرين. خلاصُ لبنان اليوم في الاستقرار السياسي والأمني كمدخل إلى الاستقرار العام. خلاصنا يأتي من الفكر السياسي لا من الصراعات وموازين القوى السياسية. فالصراع السياسي يقود إلى الحرب، بينما الفكر السياسي يولّد الرؤية السليمة لمستقبل البلاد، يحمل المجموعات المكوِّنة له، غير المتجانسة في طوائفها ومذاهبها وتقاليدها، على أن تشكّل وطناً يؤمّن لها جميعها طموحاتها وأهدافَها والمساواةَ فيما بينها، ويجنِّبُها التَّهميشَ وانعدامَ الفاعلية والذوبان، أو النفوذَ في الدولة على حساب الآخرين. خلاصنا في تطوير الدولة اللبنانية بما يؤمّن مصالح أبنائها أفراداً وطوائف، ويساعدهم على تحقيق ذواتهم. خلاصنا من رسالتنا اللبنانية وهي رسالة السلام والتفاهم بين شعوب المنطقة العربيّة والعالم، ونشرُ ثقافة الاعتدال والتسامح والانفتاح والحوار، وحملُ لواء مواكبة الحضارة الحديثة، والسعيُ إلى احترام حقوق الإنسان في هذا المجتمع المشرقي، والالتزامُ بالمصالح العليا، بعيداً عن الصراعات والانحياز إلى أيٍ من المواقف التصادمية في الأزمات الإقليميّة والدوليّة وبالتالي دور المحور في الاتحاد المتوسطي (راجع روجيه ديب: لبنان المستقرّ، ص 110-111).

   10. أيّها القدِّيس شربل، أنت عرفتَ بقرارك الحرّ والواعي، عن إيمان عميق، كيف تخلّص نفسك. فبلغتَ إلى سموّ البطولة في قداستك. وكافأك الله فجعلك شريكاً فاعلاً في خلاص الكثيرين من شعوب الأرض الذين يلتجئون إليك تحت كلّ سماء. إشفعْ بنا، نحن أبناء وبنات وطنك لبنان، لكي بالنِّعمة الإلهية نخلّص نفوسنا ووطنَنا بشعبه ومؤسَّساته وأرضه، ونساهم في خلاص منطقتنا المشرقيّة. وكما أنت "تتلألأ كالشمس في ملكوت الآب" أعطِ هذا الوطن اللبناني أن يتلألأ أمام الشعوب والأمم بنموذجيّته ورسالته. ولله المجدُ والتسبيح الآن وإلى الأبد، آمين

إذاعة صوت الانجيل