thumbthumb
دخـول

عظة عيد مارمارون 7-2-2016

عظة المطران جورج شيحان قداس مار مارون - مصر الجديدة

نجتمع كما كل سنة في ذكرى عزيزة على قلوبنا ذكرى القديس مارون الناسك القورشي المتوفي حوالي عام 410 مسيحية ,

و مدينة قورش هي في شمال شرق سوريا بالقرب من حلب الجريحة و المنكوبة في وقتنا الحاضر .

القديس مارون هو شفيع هذا الدير الذي بني على اسمه اي دير مار مارون بالقرب من مدينة آفاميا بين حمص وحماه سنة 451 , و يعتبر هذا الدير مهداً لكنيسة انطاكية السريانية المارونية التي ستنشأ في صفوفه و حوله كنيسة بطريركية لها خصوصيتها ضمن الكرسي الانطاكي , الذي يضم بالإضافة الى الموارنة اخوتنا الروم الارثوذكس , و الروم الملكيين الكاثوليك , و السريان الارثوذكس , و السريان الكاثوليك , معاً نسعى ان نكون على تنوعنا متجذرين في الجذع الانطاكي الرسولي الواحد كما الاغصان في الكرمة الحقيقية يسوع المسيح , لنؤتي ثمراً وفيراً تحت نظر الرب الواحد , و بقوة نعمته و خدمة للانسان , اخي الانسان في المجتمعات العربية حيث دُعينا ان نكون .

كما نجتمع و نحن في سنة مئوية اولى على بناء هذه الكنيسة المباركة , و قد حملت اسم القديس مارون و قد كانت بمركزيتها الروحية محطة لمزيد من التقوى و الفضيلة و القداسة و قد تعاقب على خدمتها كهنة رهباناً افاضل ابناء الرهبانية اللبنانية المريمية و الفريق الكهنوتي الذي يخدم هذه الحقبه هم اخوتنا الافاضل الاب نبيل رفول رئيس الرسالة و الاب يوحنا موراني و الاب كمال سمعان بارك الله خدمتهم و اثمرت رسالتهم .

و في سنة اليوبيل المئوي الاول نعيش مع الكنيسة الكاثوليكية سنة مباركة ارادها قداسة البابا فرنسيس , بعنوان سنة الرحمة حيث اننا

مدعوون لبناء كنيسة جديدة كهيكل للرحمة , فرحمة الله تحررنا و تعطينا ذاك السلام الذي لا نجده في العالم و تجعلنا مسيحيين بشكل افضل , فنصبح قادرين من خلال عيشنا لسنة الرحمة ان نعطي الفرح الذي يجعل رحمة الله مثمرة و مباركة .

يقول البابا فرنسيس , ان الكنيسة هي بيت يسوع , بيت رحمة يستقبل الجميع , فلا يحق للمسيحيين ان يوصدوا الباب في وجه اي احد . فهل ابواب كنائسنا مفتوحة للجميع ؟ و إذا لم يجد الناس المجروحون الابواب مفتوحة , ماذا يفعل يسوع ؟ هل يصرخ في وجهنا ؟ كلّا بل انه يحمل كل انسان في قلبه و على اكتافه و هذا ما يسمّى بالرحمة , هو من قال اريد رحمة لا ذبيحة .

يسعدني و يشرّفني ان احتفل معكم هذه السنة بعيد القديس مارون في هذه الكنيسة التى كرّسها نيافة الكاردينال البطريرك ماربشارة بطرس الراعي الكلي الطوبى في زيارته الاخيرة الى مصر , و اني انقل باسمه اليكم جميعاً اطيب التمنيات مع بركته الابوية االتي حملني ايّاها شاكراً لكم حسن الضيافة و الاستقبال لا سيّما لسيادة رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي و لفضيلة امام الازهر الشيخ احمد الطيب , و لقداسة البابا تواضروس الثاني الذي يشرّف ابرشيتنا و هذه الكنيسه بزيارته و حضوره , و لغبطة البطريرك ابراهيم اسحق و لسعادة السفير اللبناني الدكتور خالد زيادة و لعموم ابناء الابرشية كهنة و رهباناً و راهبات و علمانيين .

و بالعودة الى القديس مارون الذي نجتمع حول ذكراه اليوم , فما عساه يقول لنا في مسيرة حجنا المتعثرة صوب الحياة الابدية او الملكوت السماوي , هدفنا الاخير , فيما قلوبنا و ضمائرنا خفيفة و حائرة تتقاذفها الافكار المتضاربة , فيصبح فينا قول بولس الرسول

" الخير الذي اريده لا افعله و الشر الذي لا اريده اياه افعل " روم 7- 19

القديس مارون يقول لنا اليوم ان الثمار الروحية المرجوّة لا نجنيها ما لم نفقه اولاً معنى الزهد و النسك و التكرس لله و ان هذه هي المبادئ الاساسية لبناء الاوطان , لا سيما على قيم النزاهة و التجرد , و العدالة , و احترام الآخر , و صيانة الخير العام , و الانتفاضة لنصرة كرامة الشخص البشري , و ان الانسان هو صورة الله على الارض و بحياته و سلوكياته يكتمل حضوره بين البشر و الذي يكون الله مصدره و هدفه و اساس حياته , يصبح اخاً للجميع و شريكاً لهم في افراحهم و احزانهم و سائر تطلعاتهم .

على هذه الروحانية يبنى طيب العيش المشترك بين المؤمنين , المواطنين , الامل في كل المجتمعات التعدّدية بحيث لا يكون العيش المشترك و العيش معاً نتيجة حسابات متقلبة او ظرفية بل نتيجة قناعة روحية عميقة مفادها الايمان بوحدانية الله , خالق و اب الجميع , اساسا صلباً لوحدة العائلة البشرية , اخوة متساويين , بالكرامة الانسانية , و قد عبر عن ذلك بطريقة شعرية رائعة نشيد ماروني قديم يقول بما معناه " عندما خلق الله آدم جبله من تراب اخذه من زوايا الارض الاربعة , و في هذا دلالة على ان كل انسان مخلوق هو شمولي بكيانه يتحمل مسؤولية كل انسان حيث يكون , و يتضامن مع كل انسان ايّاً كان لان كل انسان مُنسكب من كل انسان .

بالإضافة الى هذه الاعتبارات العامة حول اهمية النسك و الزهد في بناء الانسان و المجتمعات تكشف لنا سيرة القديس مارون امورا كثيرة تستدعي منا التأمل لاخذ العبر

نسك مارون هو الذي اختار ان يعيش في العراء تحت قبة السماء مكشوفاً امام الله و الناس و لم يكن ذلك لتقديس ذاته و حسب بل لجذب الآخرين الى الله بالتعليم و الكرازة و شهادة الحياة فكان نسكه رسولياً

قد يكون بالنسبة لنا اليوم جنون و هوس السنا نعيش في عالمنا الحاضر انوع كثيرة من الجنون الذي يهدم و يدمّر حياتنا و حياة الآخرين

مارون الناسك يبقى لنا قدوة و مثال لعالمنا الحاضر لانه عرف ان يغتني بالله متخلياً عن كل خيرات الدنيا سائراً نحو الهدف الاسمى

و هذا ما قاله القديس بولس في رسالته الى تلميذه تيموثاوس " اما انت فقد تبعت تعليمي و سيرتي "

في عالمنا الحاضر كثير منا يعيشون نسكاً و لكن مدمراً و هداماً , نساكاً مع انانيتهم و كبريائهم , نساكاً مع اموالهم و غناهم , نساكاً مع خطيئتهم و ميولهم المدمرة , من هنا نرى كثير منا و قد اصابهم المرض و لا يعرفون للشفاء سبيلاً .

القديس مارون هو لنا اليوم اسلوب مختلف و مميز لمن يريد ان يتعلم و يسلك سبيل الخلاص .

نسأل الله ان يعطينا في هذا اليوم المبارك بشفاعة القديس مارون الناسك ان نعترف اولاً بأمراضنا الروحية و ربما تكون كثيرة فنتحرر من داء البخل مدركين البعد التضامني و التعاضدي للخيرات الزمنية لنعيش الرحمة مع يسوع القائل كونوا رحماء و عارفين انه مهما غنى الانسان فحياته ليست من مقتنياته , و عليه ان يغتني بالله .

كما نسأله نعمة التمييز بين التعاليم المتعددة و التقنيات المتنوعة التي تشّوش يوماً بعد يوم ايماننا و سلوكنا فنتحرر من كل نزعة الى التمسك المرضيّ بافكارنا و تصوراتنا بفعل الادعاء و الكبرياء و نتدرب على الحكمة التى توحد بين العقل و القلب و الايمان , و التي تجد رأسها في مخافة الله .

و في الختام لا يسعنى ايها الابناء الاحباء الّا ان اشكر جميع الذين شاركونا فرحة هذا العيد من ضيوف كرام , رجال دين و دنيا , كما اشكر الاباء الافاضل خدّام هذه الرعية

و شكر خاص لهيئة المساعي الخيرية المارونية مثمنين جهودها و اعمالها في خدمة المحتاج و اظهار رحمة الله نحو الآخرين .

شكر للجوقة و اناشيدها الروحية المصلية , و ايضاً لكل العاملين و من لهم اياد كريمة مضحين من اجل خير هذه الكنيسة و هذه الرعية .

اعاد الله علينا هذا العيد بالخير و البركات لنجتمع دوماً لما يرضي الله و يبنينا اخوة همّنا المواطنة الصالحة و المحبة البناءة مستمطرين عليكم بركات الله الآب و الابن و الروح القدس الذي له المجد الى الابد .

إذاعة صوت الانجيل